علي الهجويري

448

كشف المحجوب

باب في أحكام السماع اعلم أن أصول السماع تختلف باختلاف الأمزجة ، كما أنه في كل قلب همة مختلفة عن الأخرى ، وإنه لمن العبث أن نضع حكما واحدا لجميعها ، ويمكننا أن نقسم المستمعين إلى قسمين أحدهما من يصغى إلى المعنى الباطن والآخر من يستمع إلى الصوت الظاهر ، ويوجد في كلا الحالتين خير وشر فالسماع إلى الأصوات الحسنة يحدث غليانا في مزاج الإنسان فيكون حقا إذا كان مزاجه حقا ، وباطلا إذا كان مزاجه باطلا . وإذا كانت مادة مزاج الإنسان خبيثة كان ما يسمعه خبيثا أيضا ، وهذا الحكم مستنتج من قصة سيدنا داود عليه السلام الذي جعله خليفة في أرضه وأعطاه الصوت الحسن وجعل حنجرته كالمزامير حتى أوبت معه الوحوش والطيور من الجبال والسهول لسماعه ووقف جريان الماء وسقطت الطيور من السماء . يروى أن قومه الذين كانوا معه في الصحراء لم يذوقوا طعاما شهرا كاملا ولم تبك الأطفال بل ولم تطلب لبنا وقد مات قوم من شدة الوجد الذي غلب عليهم عند سماع صوته ، ويروى أنه في ساعة واحدة على قول رواة القصة بلغ عدد الموتى من العذارى سبعمائة « 1 » . ولما أراد الله تعالى أن يبين المتبعين لأهوائهم من أهل الحق الذين استمعوا للحقيقة الروحانية صرح لإبليس أن يعمل ما يشاء من أضاليله فعمل الناى والطنبور وارتقى إلى مكان مقابل لسيدنا داود عليه السلام فانقسم مجلس سيدنا داود إلى قسمين : المطلوبون والمبعدون فاستمع المبعدون لغناء إبليس . أما من سبقت لهم الحسنى فاستمروا مستمعين لسيدنا داود عليه السلام فأهل المعنى لم يرغبوا في غير صوت سيدنا داود لأنهم رأوا الله وحده

--> ( 1 ) راجع اللمع للطوسي ص 338 ، وهذه القصص من الإسرائيليات وليس لها دليل .